حسن حسين

30

ثلاثية البردة (بردة الرسول ص)

وبهذه الافتتاحية يقصد شاعرنا أن يظهر رغبته في الحياة فيتذكر الأشياء الجميلة في حياته السابقة على إهدار دمه ، فما أن أهدر دمه حتى فارقته تلك السعادة المتمثلة في الصديقة ذات الخصال الجميلة والصفات البديعة ، ذات الجسد الممشوق والفم المرسوم المعطر ذي الرضاب الشهي الذي يعتبره الشاعر أكثر سكرا من الخمر المعتقة ، ويبدو في ذلك مدى أثر قرار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على حياة هذا الشاعر ، ومدى الحرمان الذي أصابه من جراء فراقه هذه الحبيبة نظرا لعدم قدرة الشاعر على الاستقرار هربا من اهدار دمه . ويقول : شجت بذى شيم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول « 1 » تنفي الرياح القذى عنه وأترفه من * صوب سارية بيض يعاليل « 2 » فيالها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أولو أن النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع واخلاف وتبديل « 3 » فيستمر الشاعر في وصف رضاب سعاد ، بل ويركز على وصف فراق هذا الرضاب فكأنه ماء بارد زلال تعرض للرياح الشمالية حتى صار أشد بردا من كل ماء ، وقد أتى هذا الماء من منعطف الوادي بعد أن مر على البطاح التي فيها دقائق الحصى فصار نقيا صافيا باردا وهي صفة من أطيب صفات الماء ، الذي يعتبر في الصحراء أغلى وأشهى وأمتاع ما يتمناه البدوي الظاميء وكأنه يقول : ان رضابها الحياة لأن الماء هو أصل الحياة ، ومع ندرته في البادية صار أصل الحياة النادرة ،

--> ( 1 ) شجت : مزجت حتى انكشرت سورتها ، ذو شيم : ماء شديد البرد ، المحنية : منعطف الوادي ، الأبطح : المسيل الواسع الذي فيه دقات الحصى ، أضحى : أخذ في وقت الضحى قبل أن يشتد حر الشمس مشمول ، الذي ضربته ريح الشمال حتى برد . ( 2 ) القذى : ما يقع في الماء من تبين أو عود أو غيره مما يشوبه ويكدره ، أفرطه : سبق إليه وملأه ، الصوب : المطر ، الغادية : السحابة تمطر غدوة ، اليماليل : الحباب الذي يعلو وجه الماء . الخلة : الصديقة . ( 3 ) سيط : أي خلط بلحمها ودمها الصفات المذكورة بالبيت ، الفجع : الإصابة بالمكروه كالهجر ، الولع : الكذب ، أخلاف : خلف الوعد .